الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
188
نفحات الولاية
الجاهلي قد صموا أبصارهم حتى عن رؤية هذه الحقيقة القائمة . ثم يؤكد هذه النتائج المرة التي أصيبوا بها آنذاك فيلخصها عليه السلام قائلًا : « فانهارت « 1 » دعائمه وتنكرت معالمه ودرست « 2 » سبله وعفت شركه « 3 » » ولعل التعبير بالدعائم إشارة إلى أولياء الله ورواد سبيل الحق أو التعليمات الأصولية للأنبياء . وقوله إنهارت تعود إلى القضاء على هذه الدعائم أو التعليمات ؛ والمعالم ممكن أن تكون إشارة إلى الكتب السماوية السابقة أو التعاليم النبوية ، كما أنّ المراد بالسبل والشرك طرق المعرفة سواء الطرق العقلائية والفطرية أو طريق الوحي والتعاليم السماوية . النقطة الجديرة بالذكر هنا هي أنّ « الشرك » كما أشرنا سابقاً بمعنى الطريق الرئيسي . فالطرق الصغيرة قد تكون عرضة للاهمال والنسيان في حين ليس الطريق الرئيسي كذلك ، مع ذلك ففي مثل هذا المجتمع وحتى الطرق الرئيسية قد فقدت وزالت غايتها في إرشاد المارة . ثم يخلص الإمام عليه السلام إلى أنّ الامّة وفي ظل هذه الشرائط والأوضاع قد وقعت في حبائل الشيطان واسلست له قيادها « أطاعوا الشيطان فسلكوا مسالكه ووردوا مناهله « 4 » » . ولم تكن نتيجة ذلك سوى ما قاله الإمام عليه السلام : « بهم سارت « 5 » اعلامه ، وقام لواؤه » . ثم قال عليه السلام : « في فتن داستهم « 6 » باخفاقها « 7 » ووطئتهم بأظلافها « 8 » وقامت على سنابكها « 9 » » . « 10 » والسؤال المطروح هنا : هل هذه الفتن هي تلك التي أشير لها سابقاً أم هي فتن أخرى ؛ يبدو أنّها الفتن المذكورة آنفا ، غير أنّ الإمام عليه السلام أشار إلى تفاصيلها الأخرى ، حيث يشبه الإمام عليه السلام
--> ( 1 ) « إنهارت » من مادة « الانهيار » بمعنى الاندراس والزوال . ( 2 ) « درست » من مادة « دروس » بمعنى إندثار آثار الشيء وزوالها . ( 3 ) « شرك » جمع « شركة » على وزن حسنه ، وقال البعض جمع أشراك بمعنى الطرق العامة . ( 4 ) « مناهل » جمع « منهل » بمعنى مورد النهى . ( 5 ) « سارت » من مادة « سور » بمعنى الرفع والاعلاء . ( 6 ) « داست » من مادة « دوس » و « دياس » بمعنى الهضم . ( 7 ) « أخفاف » جمع « خف » وهو للبعير كالقدم للإنسان . ( 8 ) . « أظلاف » جمع « ظلف » بالكسر للبقر والشاء وشبههما كالخف للبعير والقدم للإنسان . ( 9 ) « سنابك » جمع « سنبك » على وزن قنفذ بمعنى طرف الحافر . ( 10 ) يمكن أن تكون جملة « في فتن داستهم » متعلقة بمحذوف تقديره لا والناس في فتن داستهم » ، كما احتمل البعض أنّ الجار والمجرور متعلق بسارت في الجملة السابقة ويبدو الاحتمال الأول أقوى .